سيد محمد طنطاوي

298

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله : * ( يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ ) * خبر المبتدأ ، أو حال من الذين تبوأوا الدار . . . أي : هذه هي صفات المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم . . . وهذا هو جزاؤهم . . . أما الذين سكنوا دار الهجرة وهي المدينة المنورة ، من قبل المهاجرين ، وأخلصوا إيمانهم وعبادتهم للَّه - تعالى - ، فإن من صفاتهم أنهم يحبون إخوانهم الذين هاجروا إليهم حبا شديدا ، لأن الإيمان ربط قلوبهم برباط المودة والمحبة . وقوله : * ( ولا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا ) * صفة أخرى من صفات الأنصار . ومعنى : * ( يَجِدُونَ ) * هنا : يحسون ويعلمون ، والضمير للأنصار ، وفي قوله * ( أُوتُوا ) * للمهاجرين . والحاجة في الأصل : اسم مصدر بمعنى الاحتياج ، أي الافتقار إلى الشيء . والمراد بها هنا : المأرب أو الرغبة الناشئة عن التطلع إلى ما منحه النبي صلى اللَّه عليه وسلم للمهاجرين دون الأنصار ، من فيء أو غيره . أي : أن من صفات الأنصار - أيضا - أنهم لا تتطلع نفوسهم إلى شيء مما أعطى للمهاجرين من الفيء أو غيره ، لأن المحبة التي ربطت قلوب الأنصار بالمهاجرين ، جعلت الأنصار يرتفعون عن التشوف إلى شيء مما أعطاه النبي صلى اللَّه عليه وسلم المهاجرين وحدهم . . . ثم وصفهم - سبحانه - بصفة ثالثة كريمة فقال : * ( ويُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ . . . ) * . والإيثار معناه : أن يؤثر الإنسان غيره على نفسه ، على سبيل الإكرام والنفع ، والخصاصة : شدة الحاجة ، وأصلها من خصاص البيت ، وهو ما يبقى بين عيدانه من الفرج والفتحات . أي : أن من صفات الأنصار أنهم كانوا يقدمون في النفع إخوانهم المهاجرين على أنفسهم ، ولو كانوا في حاجة ماسة ، وفقر واضح ، إلى ما يقدمونه لإخوانهم المهاجرين . ولقد ضرب الأنصار - رضى اللَّه عنهم - أروع الأمثال وأسماها في هذا المضمار ، ومن ذلك ما رواه الشيخان والترمذي والنسائي وغيرهم عن أبي هريرة قال : أتى رجل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللَّه ، أصابني الجهد ، فأرسل إلى نسائه فلم يجد شيئا ، فقال صلى اللَّه عليه وسلم : « ألا رجل يضيف هذا الرجل الليلة رحمه اللَّه » ؟ فقال رجل من الأنصار - وفي رواية أنه أبو طلحة - فقال : أنا يا رسول اللَّه ، فذهب به إلى أهله ، فقال لامرأته : أكرمي ضيف رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قالت : واللَّه ما عندي إلا قوت الصبية ! ! قال : إذا أراد الصبية العشاء فنوميهم ، وتعالى فأطفئى السراج ، ونطوى بطوننا الليلة لضيف رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ففعلت .